محمد متولي الشعراوي

1271

تفسير الشعراوي

إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فردا من أفراد الشذوذ . والحق يلفت الناس الساهين عن نعم اللّه عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم . فساعة أن يرى مبصر مكفوفا يسير بعكاز ، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له اللّه فيشعر بنعمة اللّه عليه . إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم اللّه التي أنعم اللّه عليهم بها . هذه المثل في الكون تلفت الناس إلى نعم اللّه فيهم ، ولذلك تجدها أمامك ، وأيضا كي لا تستدرك على خالقك ، ولا تقل ما ذنب هذا الإنسان أن يكون مخلوقا هكذا ؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية أخرى ؛ فقد يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر . ونضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - عن الذي ساح في الدنيا « تيمور لنك الأعرج » وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة ، إن اللّه قد أعطاه موهبة التخطيط والقتال تعويضا له عن العرج . ونحن نجد العبقريات تتفجر في الشواذ غالبا ، لماذا ؟ لأن اللّه يجعل للعاجز عجزا معينا همة تحاول أن تعوض ما افتقده في شئ آخر ، فيأتي النبوغ . إذن ف « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ » وكل تصوير له حكمة . وما دام كل تصوير له حكمة فكل خلق اللّه جميل . عليك ألّا تأخذ الخلق مفصولا عن حكمة خالقه ، بل خذ كل خلق مع حكمته . إن الذي يجعلك تقول : هذا قبيح ، إنك تفصل المخلوق عن حكمته ، ومثال ذلك : التلميذ الذي يرسب قد يحزن والده ، ولكن لماذا يأخذ الرسوب بعيدا عن حكمته ؟ لقد رسب حتى يتعلم معنى الجدية في الاستذكار ، فلو نجح مع لعبه ماذا سيحدث ؟ كل أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون : هذا لعب ونجح . . إذن فلا بد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده . كذلك لا تأخذ العقوبة منفصلة عن الجريمة ، فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها ، فساعة ترى واحدا مثلا سيحكمون عليه بالإعدام تأخذك الرحمة به وتحزن ، هنا نقول لك : أنت فصلت إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقا ، إنما